رفيق العجم
مقدمة 48
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
لذا نستطيع القول إن موقف الغزالي عقلي يجعل الكلّي متقدّما على الجزئي . وهذا يقارب التوجّه المثالي لدى العلماء والفلاسفة . وهو استمرار للموقف من النفس بما تشكّله من طبيعة غير الجسد . جاء في ميزان العمل : « إذ الغرض تطهّر النفس عن الصفات التي تلحقها بعوارض البدن حتى لا تلتفت إليها بعد المفارقة عاشقة ومتأسّفة على فوتها . . . » ص 62 . بل هذا استمرار لرأي ابن سينا ومن قبله أفلاطون من ذلك قول الغزالي في مشكاة الأنوار : « إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبّر عنها بالملائكة ، منها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية ولأجلها قد تسمّى أربابا . . . » ص 129 . وهذا يتوافق مع ما جاء في مقاصد الفلاسفة ص 271 تحت مصطلح أجسام سماوية . هكذا يتحدّد لنا توجّه الإمام المعرفي باعتماد أولية العقل والنفس على المادة والجسم . وهذا يجعله متجانسا مع الإيمان الإسلامي بتقدّم اللّه وملائكته على المخلوقات تقدّما تامّا . أما المنطق والمناهج الاستدلالية فقد تبنّاها كليّا من غير أن يذهب ببعض مضامينها المعرفية كل المذهب . والمقصود بالقول جعل الجوهر الجزئي قاعدة ومنطلقا للجوهر الكلّي ، وهو طريق البرهان الذي اتّضح ببعض آراء أرسطو وظهر جليّا لدى ابن رشد . ومن ثمّ سيتبيّن من خلال مقارنة بعض النصوص المستلّة من كتب الغزالي ، مع ما سبق وورد من نصوص ، أوجه التباين وظهور مستويين مختلفين . * يقول الغزالي في منهاج العابدين : « عليك يا طالب العبادة وفّقك اللّه بالتوبة وذلك لأمرين : أحدهما ليحصل لك توفيق الطاعة ، فإن شؤم الذنوب يورث الحرمان ويعقب الخذلان . . . » ص 9 . وفي سرد آخر : « التوبة فإنها سعي من مساعي القلب وهي عند التحصيل في قول العلماء رضي اللّه عنهم تنزيه القلب عن الذنب . قال شيخنا رحمه اللّه . . . » ص 9 أيضا . أليس هذا مختلفا عمّا أدرجناه من بعض التعريفات . * ورد في التبر المسبوك : « سئل حكيم الفرس : لم سمّي العاقل عاقلا ؟ فقال للعاقل أربع علامات يعرف بها . . . » ص 342 . هل أسلوب الغزالي في التعريف يبدأ هكذا ؟ . * جاء في منهاج العارفين : « المريد ، إذا حجّ يعقد النيّة خوف الردّ واستعدّ استعداد من لا يرجو الإياب وأحسن الصحبة وتجرّد عند الإحرام عن نفسه واغتسل من ذنبه ولبس ثوب الصدق . . . وطاف بقلبه حول كرسي كرامته ، وصفّى ظاهره ، وباطنه عند الوقوف على الصفا وهرول هربا من هوا . . . » ص 93 . هل هذا التصوّر يتوافق مع وضوح معاني الغزالي وصرامتها ودقّتها ، إضافة إلى استخدام ألفاظ في غير محلّها المعهود ، ولا سيّما لدى أصحاب الموقف السني القويم . * قال في منهاج العارفين : « فإذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت بيت ملك عظيم قدره لا يقبل إلّا الطاهر ولا يصعد إليه إلا الخالص ففكّر في نفسك من أنت ولمن أنت وأين أنت ومن